الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
418
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
أنّ حقيقة التكاليف الإلهية مشتملة على سرّ العبودية الذي بتحققه تتحقق العبودية ، التي تليق بجنابه المقدّس ، وذلك السرّ العبودي هو وفق إرادته وأمره تعالى ، وبه يتحقق اجتناب نهيه وكراهته ، فالعبودية الحقيقية ، التي هي العبادة الخالية عن أي نهي وكراهة منه تعالى إنّما تتحقق مشتملة على ذلك السرّ وذلك السرّ لا يتحقق كما هو حقّه ، وكما هو مراده تعالى إلا منهم وبهم عليهم السّلام وبهم تتحقق حقيقة الامتثال له تعالى وهم ركنه وأصله ، فالأعمال العبادية المشتملة على هذا الركن والأصل مصداق حقيقي للامتثال للأمر الإلهي . وهذا يقرب بوجوه : الأوّل : أنّهم عليهم السّلام ركن لهذا التوحيد العبادي ، وذلك لأنّه سبحانه لما لم تحط به العباد ، ولم تدرك كنهه ، ولا تعلم العباد أيضا ما يريد اللَّه تعالى منهم من الإطاعة والانقياد التي تليق بجنابه المقدس ، وأيضا لم يهملهم في طريق العبادة ، بل حثّهم عليها وجعلها غاية خلقهم فقال : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) 51 : 56 ( 1 ) فلا محالة تقتضي الحكمة الإلهية واللطف الإلهي أن يهديهم ويرشدهم إلى طريق عبادته ، التي تليق بجنابه فهداهم وأرشدهم بقوله تعالى : ( وللَّه الأسماء الحسني فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه ) 7 : 180 ( 2 ) . فبين تعالى لهم أنّ له الأسماء الحسني وأمرهم أن يدعوه بها . والحاصل : أنّه لما لم يكن أن يدعى بذاته المقدسة لعدم إمكان ذلك لهم ، تعيّن أن يدعى بالأسماء الحسني ، فانحصرت العبادة التي هي فعل ما يرضى به الربّ ، والعبودية التي هي رضا الرب ، ورضي ما يفعل في مقام العبادة فيهم وبهم ، ولتوضيح هذا نذكر أوّلا أخبار الباب ، ثمّ نعقّبه بما يوضح به المقصود ، فنقول وعلى اللَّه التوكَّل :
--> ( 1 ) الذاريات : 56 . . ( 2 ) الأعراف : 180 . .